عن قُرب
سامر جرادات — مؤسّس "جفرا للإنتاج" | فلسطين
4 / 5 / 2026

"تعني لي الموسيقى لأنها تخلق مساراً للنموّ، حيث ينتقل المرء من التّعبير إلى الفهم، من الأفكار إلى الممارسة، ومن العمل الفردي إلى ما هو مشترك ومشاع."

في فلسطين كما في جزءٍ كبيرٍ من منطقتنا، لا تكمنُ المشكلة في غياب الإمكانات الابداعية، بل في البنية التي تدعمها.

بالنسبة لمؤسّس "جفرا للإنتاج" سامر جرادات، اتضحت هذه الفجوة عبر سنواتٍ من العمل الوثيق مع الموسيقيين/ات. فقد لاحظ جرادات الاختلال واللاتوازن الموجود بين التميّز الابداعي وغياب البُنى المهنية المُستدامة. يُنتجُ الفنانون/ات أعمالاً آسِرة دون امتلاكهم للأدوات أو الشبكات أو المعرفة الصناعية اللازمة لبناء مساراتٍ مهنيّةٍ طويلة الأمد.

يقول: "لا يزال مفهوم المسار المهني الاحترافي غير واضح المعالم. هناك إبداع قوي، لكن الانظمة والبنى المحيطة به لا تزال في طور التّشكُّل". تتفاقم هذه الفجوة ضمن بيئةٍ أوسع يَصِفُها جرادات بأنها "معقّدة وغير متكافئة". فحالة عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي تجعل التّخطيط طويل الأمد أمراً عسيراً. كما أن الأُطُر القانونية المتعلّقة بالملكيّة الفكريّة لا تزال غير مكتملة. أما الأسواق فهي مجزّأة، وغالباً ما تظلّ محصورة ضمن حدود وطنية ضيّقة لا تسمح بقيام صناعةٍ مُستدامة. كما أن التمّويل نفسه غالباً ما يكون قصير الأجل ومرتبطاً بمشاريع محدّدة، بدلاً من دعم البُنى طويلة الأمد.

في مواجهة هذا الواقع، أعاد جرادات وفريقه التفكير في مقاربتهم. وبدلاً من إطلاق برنامج مُسهبٍ وشاملٍ بشكل فوريّ، بدأوا بمشروع إصدارٍ تجريبيّ، لاختبار ما أصبح الآن منصّة "نيست"، وهي منصّةٌ مصمّمة لدعم عمليّة تطوير المسارات المهنية المُستدامة في مجال الموسيقى.

شكّلَ هذا القرار نقطة تحوّل.

"أدركنا أن علينا ان نبدأ على نطاقٍ أصغر من أجل أن نفهم البُنية، ونختبرَ المنهجيّة، ونرى مدى انسجامهما مع واقع السوق"، يقول جرادات.

من خلال برنامج الرّيادة في الفنون والثّقافة المدعوم من "آفاق"، بدأ هذا النموذج بالتّبلور. ولم يقتصر الّدعم على الجانب المالي فحسب، بل كان استراتيجياً أيضاً. فقد ساعد البرنامج مؤسّسة جفرا في تحسين نهجِها وصقله، وشجّعنا على توليد نموذج تدريجيّ وتراكميّ، بدلاً من التوسّع الفوري على نطاقٍ واسع.

يُضيف جرادات قائلاًُ: "كانت الآراء التي تلقّيناها بالغة الأهمية؛ فقد ساعدتنا على التفكير بشكلٍ أوضح في كيفية بناء مشروعٍ مُستدام."

اليوم، تعمل منصّة "نيست" كمنظومةٍ متّصلة تربط بين المعرفة والممارسة وإمكانية الوصول إلى القطاع. فهي تجمع بين التدريب المهني والتطوير الإبداعي والإرشاد طويل الأمد، إلى جانب تركيزٍ موازٍ على بناء المجتمع. ينتقل الموسيقيون/ات عبر ورش العمل ومختبرات الإنتاج والبرامج التدريبيّة المُخصَّصة، بالإضافة إلى مشاركتهم/ن في فعاليات التّشبيك وجلسات عرض الأفكار والمشاريع والتّعاونات التي تربطهم/ن بالمنتجين والمُدراء والموزّعين. والنّتائج ملموسة فعلاً.

الفنانون/ت الذين كانوا/كُنَّ سابقاً يعملون/تعملن بشكلٍ غير رسمي، أصبحوا/ن اليوم ينظمون/تنظّمنَ عملهم/ن ضمن مساراتٍ مهنية، ويوقعون/ن عقوداًمع وكالات الحجز، ويسافرون/تسافرنَ في جولاتٍ دوليّة، ويُبرمون/تبرمن اتفاقيات توزيع، ويتعاملون/تتعاملن مع الأُطُر القانونية المرتبطة بالملكيّة الفكرية. في الوقت نفسه، بدأت ملامحُ مجتمعٍ أوسع بالتشكل بطريقةٍ عضويّة وطبيعيّة، مع نشوء تعاوناتٍ مستقلّة بين الفنانين/ت في مختلف أنحاء المنطقة.

يقول جرادات: "أكثر ما يهمّني هو رؤية الفنانين/ات من جميع أرجاء منطقتنا يتواصلون/ن فيما بينهم/ن. فبعيداً عن كل ما نعيشه، تستطيع الموسيقى أن تخلق مساحة مشتركة نلتقي فيها على نحوٍ مُغاير، ولِهذا قيمة حقيقية في كيفية رؤيتنا لأنفسنا ومستقبلنا."

غير أن الأثر يتجاوز قصص النجاح الفرديّة.

فمن خلال التركيز على البنية التحتيّة – المهارات والشبكات والأنظمة – تُسهِمُ "نيست" في صياغة ما هو أكثر بنيويّة، ألا وهو التشكُل التّدريجي لمنظومة موسيقية إقليمية مُستدامة وقادرة على تحقيق الإكتفاء الذّاتي. منظومةٌ تتجاوز حدود الأسواق الوطنية المنعزلة وتباشر العمل على مستوى إقليمي. بهذا المعنى، لا يقتصر الدّعم على تلبية الاحتياجات الآنية فقط، بل يضمن أيضاً استدامتها على المدى الطويل.

ويشيرُ جرادات إلى أن دور مؤسّسة "آفاق" كان جزءاً من هذا المسار حتى قبل أن تتأسّس "نيست" رسمياً. فقد ساهم الدّعم كما التفاعل المستمر وتلقّي الملاحظات في تعزيز الثقة في عمليّة تنفيذ المشروع، مما أتاح للمبادرة أن تتطور بشكل عضوي وطبيعي دون التعرّض لضغوط التوسّع المبكر.

"رافقتنا آفاق منذ ما قبل ولادة المبادرة، وهذا ما منحنا الثقة للمضيّ قُدُماً"، يضيف جرادات.

في منطقة غالباً ما يتقدّم فيها الإنتاج الفني على البُنى الدّاعمة، تشير مبادرات مثل "نيست" إلى نموذجٍ مختلفٍ حيث يتوافق الإبداع مع منظوماتٍ قادرة على دعمه واستدامته. وبالنسبة لمن يختارون/تخترن دعم هذا العمل، فإن الأثر ليس مُبهماً ولا نظرياً، بل هو مرئي وملموس في مساراتٍ مهنيّةٍ تتشكّل، ومجتمعات تنمو، وصناعة تتبلور تدريجياً في منطقةٍ لم تكن الظروف تسمح سابقاً بتبلورها بالكامل.

ابقوا/ين على تواصل مع مجتمع "نيست" هنا.