عن قرب | سحر صلاح
فنانة وناشطة ثقافية، السودان
2 / 11 / 2026

"لا تكمن قيمة الفن في العمل الإبداعي وحده، بل أيضاً في العلاقات والأفكار والحوارات التي يتيحها، وفي قدرته على مدّ الجسور بين الناس".

نادراً ما يكون البيت مجرّد بناء مادي. فهو فضاء تتكشّف فيه حكايات الأفراد، وتترك فيه الأجيال بصماتها، ويتشكّل فيه الشعور بالانتماء. لكن ماذا يبقى من هذه الروابط حين نفقد المنزل؟

تستكشف الفنانة والناشطة الثقافية السودانية سحر صلاح هذا السؤال في مشروعها المتعدد الوسائط "بيوت من حنين"، المدعوم من آفاق، والذي يوثّق العمارة النوبية في السودان، وحياة الناس الذين ترتبط حكاياتهم بهذه البيوت. ويزاوج المشروع بين التصوير الفوتوغرافي والشعر والموسيقى والتاريخ الشفوي، مع تركيز خاص على النساء بوصفهن حارسات لذاكرة مهدّدة بالضياع، شأنها شأن البيوت نفسها.

يأتي المشروع في سياق الحرب المستمرة في السودان، حيث غيّر النزوح علاقة الناس بالأماكن التي كانوا يعتبرونها بيوتهم ذات يوم. وقد عاشت سحر تجربة النزوح بنفسها.

ثمّة لحظة من مراحل العمل على "بيوت من حنين" لا تزال عالقة في ذاكرتها. ففي أثناء توثيق تجارب أشخاص فقدوا بيوتهم، جلست معهم وأصغت إلى حكاياتهم.

"جلسنا معاً فوق بقايا بيوتهم التي طمرتها الظروف... فتحولت الأنقاض إلى مجلس يجمعنا".

ما بدأ محاولةً لتوثيق بيوت تختفي تدريجياً، سرعان ما تجاوز غايته الأولى ليغدو تجربة شخصية أعمق.

"هناك، أدركت أن "'بيوت من حنين'" ليس مجرد مشروع توثيقي، بل تأمّل مستمر في الألم والنزوح، وامتداد لأصوات أناس يرفضون الاندثار". ومع تقدّم العمل على المشروع، بدأت سحر تدرك كيف أتاح لها هذا المسار أن تواجه تجربة النزوح التي عاشتها هي أيضاً.

وتستذكر قائلةً: "كانت تلك اللحظة تذكيراً بأن الإصغاء إلى حكاياتهم ومشاركة الوقت معهم شكلٌ من أشكال الحضور والمقاومة". وهكذا، غدا توثيق هذه اللقاءات جزءاً من مسار تعافيها، وأتاح لها أن تفهم تجربتها الخاصة من خلال قدرة الآخرين على الصمود.

غير أنّ مواصلة هذا العمل لم تخلُ من التحديات. وتشير سحر إلى الضغوط الاقتصادية التي يواجهها الفنانون في مختلف أنحاء المنطقة، حيث يظلّ الإنتاج الثقافي معتمداً في كثير من الأحيان على الموارد الشخصية أو على مصادر تمويل خارجية قصيرة الأجل.

تقول: "لا تزال الفنون تُعامَل أحياناً بوصفها ترفاً، لا جزءاً أساسياً من الحياة العامة".

وترى سحر أنّ ضمان استدامة الممارسات الفنية لا يمكن أن يكون مسؤولية الفنانين وحدهم. فالأمر يتطلّب تعزيز شبكات التعاون، واعتماد سياسات ثقافية أكثر استدامة، بما يوفّر للفنانين الظروف اللازمة لمواصلة عملهم.

وفي هذا السياق، أتاح دعم آفاق لسحر إقامة المعرض الأول لمشروع "بيوت من حنين" في السودان، في مطلع عام 2026.

ضمّ المعرض صورها الفوتوغرافية، إلى جانب مؤلّفات موسيقية وضعها الموسيقي السوداني عاصم الطيب قرشي خصيصاً للمشروع، ونصوص للكاتب مصعب محمد عبد الحميد. ومن خلال تضافر هذه العناصر، دُعي الجمهور إلى اكتشاف البيوت لا بوصفها أبنية فحسب، بل أيضاً بوصفها حاملةً لحيوات أصحابها وتجاربهم.

وتقول سحر، مستعيدةً أهمية ما تلقّته من دعم مالي ومعنوي في وقت كانت تواجه فيه النزوح في ظلّ الحرب: "كان هذا الدعم طوق نجاة".

تستعدّ سحر اليوم لإقامة معرض ثانٍ خارج السودان، على أمل أن تصل هذه التجارب إلى جمهور يتخطّى حدود البلاد.

من خلال "بيوت من حنين"، وجدت سحر وسيلة لتوثيق المعاناة اليومية لأشخاص يعيشون تجربة النزوح، ولا سيما النساء، وللتأمّل في تجربة الفقد التي عاشتها بنفسها.

لا يحاول المشروع ترميم ما دمّرته الحرب، بل يسعى إلى خلق مساحة يروي فيها الناس حكاياتهم بأصواتهم، ما يمنح هذه الحكايات القدرة على البقاء والتداول، حتى بعد غياب الأماكن التي شهدت فصولها.