عن قرب | غيثة خلدي وميشال ندوه ندوه
مؤسّسا مبادرة "فيتا" (VITA)، المغرب والكاميرون
6 / 10 / 2026

"الأرشيف الحيّ يخلق الظروف التي تتيح للمعرفة أن تواصل تنقّلها"

في أنحاء إفريقيا، لا تحمل الآلات الموسيقية أصواتاً فحسب. فالمعرفة المتعلّقة بصناعتها والعزف عليها، والمجتمعات التي تنشأ حولها، والتاريخ الذي تختزنه، تشكّل جميعها جزءاً من ذاكرة ثقافية حيّة. غير أنّ بعض هذه المعارف مهدّد بالاندثار مع رحيل حَمَلة هذا التراث.

تقول غيثة خلدي، مديرة المشاريع في "فيتا" (مكتبة الآلات الموسيقية الإفريقية) وأحد مؤسِّسَي المبادرة: "من التحديات الملحّة في العالم العربي المحو السريع للتراث الحيّ والذاكرة الجماعية وتهميشهما". وترى أنّ المعارف التقليدية والممارسات الموسيقية مهدّدة "بالاختفاء أو بالاختزال في مجرّد فولكلور"، ما قد يحرم الأجيال الشابة من جذورها الثقافية ومن صلتها باستمرارية تاريخها.

يقع هذا الهاجس في صميم "فيتا"، وهي مبادرة عابرة للحدود تقودها "جمعية أفريكاينا" في المغرب بالشراكة مع "جمعية سندجا" في الكاميرون، وبدعم من "برنامج شمال إفريقيا الثقافي" التابع لآفاق.

تعمل مبادرة "فيتا" على إنشاء مجموعة حيّة من الآلات الموسيقية الإفريقية التقليدية وأرشيف لها، من خلال البحث والتوثيق الميداني والمعارض وإتاحة المحتوى رقمياً. لكنّ المشروع لا يكتفي بالحفاظ على الآلات، بل يطرح سؤالاً جوهريّاً: كيف يمكن أن تستمر المعارف التي تحملها الآلات في الانتقال من جيل إلى آخر؟

بالنسبة إلى ميشال ندوه ندوه، الباحث في علم الآلات الموسيقية المقيم في الكاميرون، يقتضي ذلك "توثيق التراث الثقافي ونقله إلى الأجيال الجديدة، والتعريف بالتعبيرات الثقافية المحلية وتعزيزها، وتوظيف الأدوات الرقمية، وخلق مساحات للحوار بين الأجيال والمجتمعات".

وقد تجسّدت هذه الفكرة أمام غيثة في إحدى تجاربها.

فخلال زيارة إلى مالي، جلس معلّمو كناوة مغاربة في حلقة إلى جانب موسيقيين ماليين، يعزفون على الكمبري والنغوني. وعلى الرغم من اختلاف لغاتهم، وعيشهم على جانبَي حدود جغرافية تفصل بينهم، سرعان ما تآلفت إيقاعاتهم.

تستعيد غيثة المشهد قائلةً: "في تلك الغرفة، تلاشى الانقسام بين شمال إفريقيا وإفريقيا جنوب الصحراء تماماً، وحلّت مكانه ذاكرة مشتركة وانفعال جماعي. وقد أكّد لي ذلك أنّ دورنا، بصفتنا فاعلين في المجال الثقافي، يقتصر ببساطة على بناء الجسور التي تتيح لتلك اللقاءات – التي طال انتظارها – أن تحصل".

ويجسّد هذا التبادل نموذجاً من التعاون الإفريقي الذي تطمح "فيتا" إلى تعزيزه. ويصف ميشال الشراكة بين جمعيتَي "سندجا" و"أفريكانا" بأنّها تجمع بين "الخبرة في التراث، والبحث، والمعارض، ونقل المعرفة، وتطوير الشبكات".

وبفضل دعم "برنامج شمال إفريقيا الثقافي"، تحوّل المشروع من مجرّد فكرة إلى مورد فعلي، مادي ورقمي. وتضمّ مجموعة "فيتا" الحيّة اليوم أكثر من 70 آلة موسيقية تقليدية، فيما أُقيمت معارض في المغرب والكاميرون. كذلك أطلقت "فيتا" موقعاً إلكترونياً (instrumentheque.com)، وهو أرشيف رقمي متاح للجميع، يضمّ معلومات تقنية، وصوراً، وتسجيلات صوتية، ومواد سمعية بصرية مستمدّة من التوثيق الميداني.

وقد أخذ البحث الميداني فريق "فيتا" إلى ورش صانعي الآلات التقليدية في المغرب والكاميرون، حيث أُنجز أكثر من 20 فيديو تعليمياً يوثّق معارف شفوية وتقنيات حرفية مهدّدة بالاندثار.

وبالنسبة إلى غيثة، فإن إشراك المبدعين الشباب إلى جانب الحرفيين المخضرمين يضمن ألّا يصبح التراث "أثراً جامداً من الماضي، بل يظلّ أداةً حيّة للتحرّر، ولتعزيز التماسك الاجتماعي والتفكير النقدي اليوم".

وقد رافق سؤال انتقال المعرفة غيثة وميشال إلى بيروت خلال لقاء لـ"برنامج شمال إفريقيا الثقافي" في آب/أغسطس 2026، حيث زارا صانع العود ألبير منصور. وحين سُئل ألبير عمّا إذا كانت الأجيال الشابة ستواصل تعلّم حرفة صناعة الآلات الموسيقية وإصلاحها، بما تتطلّبه من صبر ودقّة، أجاب بثقة أنّه سيظلّ هناك شباب مهتمّون بهذه الحرفة ما دامت تتاح لهم فرصة لتعلّمها.

"ما دام الإنسان يتنفّس، ستبقى الآلات الموسيقية حيّة".

وتشير تجربة "فيتا" إلى أنّ بقاء هذه الآلات لا يتوقّف على الحفاظ عليها فحسب، بل على بقاء من يعرف كيف يصنعها، ويعزف عليها، ويعيد ابتكارها، وينقل هذه المعرفة إلى من يأتي بعده.

فالأرشيف الحيّ لا يحفظ الأشياء فحسب، بل يخلق الظروف التي تتيح للمعرفة أن تواصل انتقالها من شخص إلى آخر، ومن مكان إلى آخر، ومن جيل إلى آخر.