عن قرب مع باسل رمسيس
مخرج وكاتب ومدرّس سينما، مصر
3 / 9 / 2026

"نعيش في زمن تحاول فيه الطبقات والقوى السياسية الحاكمة تطبيع الجهل

يرى المخرج والكاتب ومدرّس السينما المصري باسل رمسيس أنّ ممارسة الفن جزء من الحياة اليومية؛ فالفنّ وسيلة للانخراط في الحياة، ومساءلة الواقع، وتكوين موقف منه، والتدخّل فيه أحياناً.

يقول: "الفن والثقافة أسلوب حياة، ويتجاوزان بكثير كونهما مهنة. فالمسألة لا تتعلق بفنان أو مثقف يمنح الجمهور "الوعي"، بل بأن يطوّر الفنان وجهة نظر وموقفاً من خلال إنجاز العمل وتفاعل الجمهور معه".

تقع العلاقة بين الإنتاج الثقافي والواقع السياسي في صميم ممارسة رمسيس الفنية، وتصبغ رؤيته لما يعتبره التحدي الأكثر إلحاحاً الذي يواجه الفنانين والعاملين في المجال الثقافي في المنطقة.

يقول: "التحدي الأكبر الذي يواجه المثقفين والفنانين اليوم في العالم العربي هو الغياب الكامل للديمقراطية". ويأتي هذا القول في سياق وصفه مرحلةً من القمع السياسي والاجتماعي الشديد، تتقلّص فيها باطّراد المساحات المتاحة للإنتاج الثقافي المستقل والحرّ.

وبالنسبة إلى رمسيس، لا يمكن فصل هذه الضغوط عن السياق العالمي الأوسع: الحروب، والإبادة الجماعية، وصعود حركات اليمين المتطرّف والحركات الفاشية، فيما تعمل قوى سياسية، بصورة متزايدة، على تطبيع القمع واللامساواة. فهو يرى أنّ ما يحدث خارج الحدود الوطنية يؤثّر حتماً في حياتنا اليومية، ومن ثمّ في إمكانية إنتاج فنّ وثقافة مستقلّين.

تتمثّل استجابته لهذه الظروف في عدم تجنّبها والتفاعل معها.

يقول: "نعيش في زمن تحاول فيه الطبقات والقوى السياسية الحاكمة تطبيع الجهل. لذلك علينا، في الحدّ الأدنى، أن نتكلّم، ونناضل، ونشتبك، وربّما أن نصرخ أحياناً، مستخدمين كل وسيلة متاحة لنا، فنيّة كانت أم غير فنيّة".

تتجلى هذه القناعة في مشروع رمسيس المدعوم من آفاق، "صرخة قناوي الأخيرة.. هاوريكم. تطوّر الرؤية الذاتية وطرق الحكي عند يوسف شاهين، 1950-2007"، وهو كتاب من 500 صفحة يتناول المسار السينمائي ليوسف شاهين.

بدأ رمسيس يعمل على الكتاب خلال جائحة كوفيد-19، في لحظة شعر فيها بأن "العالم القديم ينتهي"، وأن الوقت بات مواتياً للخوض في هذا العمل.

يتذكّر قائلاً: "إذا كان العالم القديم ينتهي، فعلينا إذاً أن نتمسّك بأوجهه المضيئة ونتعلّم منها لمواجهة عالم جديد سيكون أكثر قسوة".

ذلك ما دفعه إلى استعادة أكثر من خمسين عاماً من سينما شاهين، لدراسة مجمل أعمال المخرج، مستكشفاً من خلالها التحولات السياسية والاجتماعية والثقافية التي شهدتها مصر والمنطقة الأوسع.

على امتداد فصول الكتاب، يستكشف رمسيس، من خلال سينما شاهين، الدور المتغيّر للمثقّف والمخرج السينمائي في المجتمع العربي. ومن ضمن اللحظات الفارقة في المشروع الانتهاء من كتابة فصل "المثقف عاريًا.. أمام السلطة والجماهير". يقول رمسيس: "هذا من أكثر المواضيع التي تمسني مباشرة باعتباري مثقف عربي. حينذاك اكتمل تحليلي لكيف حاول شاهين أن يعري ذاته وذوات المثقفين العرب، ويكشف تناقضاتهم، ومواقفهم في لحظات الالتباس تجاه السلطة السياسية، وتجاه الجماهير".

يقول: "يتناول هذا الفصل هاجساً جوهرياً بالنسبة إليّ: موقع المثقف أو الفنان إزاء الناس والسلطة وما يحدث في مجتمعه وما يحيط به".

في الوقت نفسه، يوظّف رمسيس سينما شاهين لاقتراح أطر نقدية جديدة لا تزال قليلة الاستخدام في دراسات السينما باللغة العربية، ومن بينها مفهوم "سينما المرجعية الذاتية". وبهذا المعنى، يبدأ موضوع الكتاب وهواجس رمسيس بالتقاطع. فالتأمّل في تجربة شاهين يصبح وسيلة لطرح سؤال يجيب عليه كل شخص ينتج فناً أو ثقافة بطريقته: ما موقع الفنان/الفنانة من العالم والمجتمع الذي يعملون فيه، وموقفهم من قضاياه وأزماته، حتى وإن كانت مادة عملهم الأساسية هي تجاربهم الشخصية؟

وقد شكّلت منحة آفاق للكتابات الإبداعية والنقدية حافزاً مهمّاً لدفع هذا العمل البحثي نحو الاكتمال.

يقول رمسيس: "كانت المنحة ضرورية كدافع للعمل، دافع للأمام وللإنجاز. ولعلّها أسهمت أيضاً في خلق نوع من الاعتراف بالكتاب وترقّب صدوره، ومن ثمّ اهتمام دور النشر به".

صدر الكتاب عام 2025 عن دار "الكتب خان" (القاهرة)، ويشكّل إسهاماً في توسيع نطاق الكتابة النقدية العربية التي تتناول السينما.

في زمن تتضاءل فيه المساحة المتاحة للفكر الثقافي المستقل، يرى رمسيس أن الكتابة تكتسب أهمية خاصة. فالعودة إلى إرث سينمائي تتيح مساءلة الحاضر، وتطويرُ لغة نقدية يفتح سبيلاً إلى مقاومة الركود الفكري، فيما يغدو الحفاظ على مساحة للاختلاف والتحليل والتفاعل جزءاً من الممارسة الثقافية نفسها.

بالنسبة إلى رمسيس، لا يقف الفن خارج الواقع ليتأمّله من بُعد، بل هو أحد منتجات الواقع نفسه، جزء منه، وهذا الاشتباك عبر الأدوات الفنية مع الواقع يتيح لنا إمكانية رؤيته، فهمه، وربما تغيير بعض ملامحه.