عن قُرب | سبأ حمزة
مؤسِّسة "أرشيف المرأة اليمنية"، اليمن
11 / 8 / 2026

"تعني لي الثقافة والفنون كثيراً لأنها جزء لا يتجزّأ من حياتنا اليومية. فالأمر، في جوهره، يتعلّق بمَن يُتاح له أن يُرى ويُسمَع".


ترى الشاعرة والباحثة والتربويّة اليمنية سبأ حمزة أن الأرشيفات ليست سجلّات تحفظ الماضي فحسب، بل هي قوى فاعلة في تشكيل الذاكرة. فهي تسهم في تحديد مَن نتذكَّر، وأيّ مِن المعارف تبقى حيّة، وأيّ مِن الروايات التاريخيّة ستصبح جزءاً من المستقبل. من هذه الرؤية وُلدَت مؤسَّسة "أرشيف المرأة اليمنية"، وهي مساحة متنامية تُعنى بتوثيق وحفظ قصص النساء اليمنيّات ومعارفهنّ وتجاربهنّ المعاشة، وذلك في مختلف أنحاء اليمن كما في الشتات.

تقول سبأ: "سعينا من خلال أرشيف المرأة اليمنية إلى ضمان أن القصص التي أُسكِتت طويلاً سوف تجد طريقها إلى التعبير عن نفسها".

وترى أن أحد أكثر التحديات إلحاحاً التي تواجه الفنون والثقافة في العالم العربي لا يتمثّل في شحّ التمويل فحسب، إنما أيضاً في طبيعة مصادره والجهات التي تقف وراءه.

تشرح: "لا يزال جزء كبير من التمويل والبنى التحتية المخصصة للفنون والثقافة في العالم العربي يأتي من خارج المنطقة. وهذا لا يؤثِّر في ما يُنتَج فحسب، إذ يساهم أيضاً في تحديد مَن تُروى قصصهم، وكيف تُروى".

وبدلاً من التسليم بهذه القيود، تؤمن سبأ بأنّ أمام الفنانين والمشتغلين في المجال الثقافي فرصة، بل مسؤولية، لبناء مؤسَّسات مستقلة تنبع من مجتمعاتها وتترسّخ فيها، وتُعنى بحفظ تاريخ الحياة اليومية.

تقول: "تفسح الأرشيفات والمجموعات والفضاءات الثقافية مجالاً لسماع الأصوات المغمورة ورواية القصص المنبثقة من الحياة اليومية، ولا سيما أصوات من هم على الهامش، والذين يشكّلون في الواقع الأغلبية".

وعلى خلاف العديد من المشاريع التي تبدأ بلحظة تأسيسية حاسمة، نما "أرشيف المرأة اليمنية" عبر سلسلة من التراكمات. فعندما سُئلت سبأ عن لحظة في مسار المشروع ظلّت حاضرة في ذاكرتها، أجابت: "لا يتعلّق الأمر بلحظة واحدة فقط. فقد سمعت مراراً وتكراراً من نساء ورجال، من مختلف الأعمار، أنّ للمشروع أهميّة حقيقية. وهذا ما يؤثِّر فيّ في كل مرّة".

كانت تلك الحوارات من أكثر المحطات أثراً وأهميّة في مسار المشروع. فقد لمست سبأ، من خلال نساء كرّسن عقوداً لتوثيق قصص النساء، وأجيالاً أخرى أصغر سناً، ثقةً عميقة بالمشروع تتخطى التشجيع العام.

تقول سبأ: "يُشبه الأمر أن يُسلَّم إليك خيطاً يربط أرشيف المرأة اليمنية بعقود من العمل الذي سبق نشوء المؤسّسة، وهو ما يحمل معه مسؤولية المضي قدماً بهذا الخيط".

ومن هذا الشعور بالمسؤولية انبثق الفصل التالي من مسيرة الأرشيف.

فبعد حصولها على منحة لبناء القدرات ضمن "برنامج الورشة الثقافية في اليمن" الذي تديره آفاق، عملت المؤسسة على تعزيز ممارساتها الداخلية وبنيتها التنظيمية، ثمّ أطلقت مبادرة "منور" (ضمن مشروع "موسوعة المرأة اليمنية") المكرّسة لتوثيق حياة النساء اليمنيات وإسهاماتهن.

ومن خلال مبادرة "منور"، تلقّت عشرة باحثات وكاتبات تدريباً لتوثيق سير عشرين امرأة وإسهاماتهنّ، وهي سير كان يُرجّح أن تظلّ غائبة عن التاريخ الرسمي والذاكرة العامة لولا هذه المبادرة.

ترى سبأ أنّ هذا العمل يتجاوز مجرّد التوثيق.

وتشرح: "إنّه يجسّد جوهر المهمّة التي يضطلع بها أرشيف المرأة اليمنية: إنتاج المعرفة على يد النساء اليمنيات وعنهنّ، بما يضمن توثيق إسهاماتهنّ، وصونها في الذاكرة، وإتاحتها للأجيال القادمة".

تتأمّل سبأ في ما تطلّبه بناء المؤسّسة، فتقول: "وفّر لنا الدعم الذي تلقيناه من آفاق مساحة آمنة للتعلّم والنمو، وللتجريب وارتكاب الأخطاء، ولتطوير قدراتنا كممارسات ثقافيات في مجال لا يتيح للنساء كثيراً من المساحات المُشابهة".

لم يقتصر أثر هذا الدعم على المشروع، بل شمل الفريق أيضاً. تقول سبأ: "أتاح لنا الدعم بناء فريقنا، وساعدنا على فهم ما يتطلّبه هذا النوع من العمل".

كما أسهم الدعم في تعزيز قدرة الأرشيف على التعاون مع مختلف الجهات العاملة في القطاع الثقافي: "بعد أن أصبحنا مبادرةً مدعومة ومُعترفاً بها، صار التواصل مع المؤسسات الثقافية الأخرى أكثر سهولة".

واليوم، يواصل "أرشيف المرأة اليمنية" نموّه، لا بوصفه أرشيفاً فحسب، بل أيضاً كمنظومة من الباحثين والكتّاب والتربويين والمجتمعات المحليّة، يجمعهم الالتزام بصون تاريخ النساء من منظورهنّ.

في منطقة كثيراً ما تغفِل فيها السردياتُ الرسمية تجاربَ النساء، تبرهن مبادرات مثل "أرشيف المرأة اليمنية" أن صون الذاكرة لا يقتصر على توثيق الماضي، بل يتمثّل أيضاً في تهيئة ظروف تتيح للأجيال القادمة وراثة تاريخ أكثر اكتمالاً وشمولاً، تاريخ يكتبه الأشخاص الذين لطالما أُقصيت أصواتهم عن الروايات الرسمية.