عن قرب | ليلى دمشقية ورند عبد النور
مؤسّستا مبادرة "العلبة"
9 / 7 / 2026

"يزدهر الفن والثقافة حين يُتاح الوصول إليهما".

رصدت التربويّتان والفنّانتان الأردنيّتان ليلى دمشقية ورند عبد النور وجود فجوة بنيويّة في تعليم الفنون خارج المؤسّسات الأكاديميّة. ففيما يتعلّق بالنساء خاصةً، لم تكن المشكلة يوماً في غياب الإبداع، بل في غياب فرص الوصول إلى التعلّم الفني.

فخلال سنوات عملهما في مجال التعليم، لاحظتا أن الكثير من النساء يحملن الرغبة في الإبداع، وفي تعلّم التقنيات الفنيّة واستكشاف طاقاتهن الخلّاقة، لكنّهن يفتقرن إلى ما يمكّنهن من خوض هذه التجربة: الموارد اللازمة، أو الثقة بالنفس، أو البيئات الداعمة.

بدلاً من تصميم ورش عمل تُعقد لمرة واحدة، طرحتا سؤالاً مختلفاً: كيف يمكن إنشاء نظام تعليمي ينتقل من امرأة إلى أخرى، فيستمرّ أثره بعد انتهاء الورشة نفسها؟ كان الجواب مبادرة "العلبة".

ومبادرة "العلبة"، كما يعني اسمها، هي عبارة عن صندوق يحتوي على مواد فنية ومنهج دراسي وإرشادات عمليّة، ويجمعها معاً في أداة تعليميّة محمولة صُمِّمت لتتنقّل بين المجتمعات. وهذا ما يتيح للنساء تعلّم تقنيات فنية وتطوير مهارات التفكير الإبداعي، ثم مشاركة هذه المعرفة مع أخريات.

تقول رند: "أردنا أن تختبر النساء صناعة الفن بأنفسهن. لكنّنا أردنا أيضاً أن يتعلّمن كيف يدرّسن الفن وأن ينقلن هذه المعرفة إلى غيرهنّ".

ما بدأ كفكرة بسيطة، تطوّر مع الوقت إلى مجتمع متنامٍ يضمّ أكثر من 600 امرأة وفتاة من مختلف أنحاء الأردن. وقد توسّع المشروع بصورة عضوية بفضل تعريف المشاركات بناتهن وصديقاتهن وجاراتهن على ورش العمل. وفي كثير من الحالات، أصبحت العلبة نفسها أكثر من مجرد أداة تعليميّة.

تقول ليلى: "من أكثر الأمور التي نسمعها أنّ النساء يشترين عادة أشياء لأطفالهن، لكنهن نادراً ما يشترين شيئاً لأنفسهن. لذلك غالباً ما يُنظر إلى العلبة على أنّها هدية".

غير أن أثر مبادرة "العلبة" يتجاوز بكثير اكتساب المهارات الفنية. فورش العمل تُشجِّع المشاركات على مساءلة المُسلَّمات، والتجريب بحريّة، وتخطّي خوف ارتكاب الأخطاء. فالنساء اللواتي كنّ في البداية يتردّدن حتى في حمل قلم رصاص، يكتسبن تدريجاً الثقة اللازمة للإبداع والنقد ومشاركة أعمالهن مع الأخريات.

تشرح رند: "نسعى إلى إسكات ذاك الصوت الداخلي الذي يقول: يجب أن أصنع تحفة فنية. هكذا تبدأ المشاركات في إدراك أن الفن لا ينبغي أن يكون مثالياً كي تكون له قيمة".

ومع مرور الوقت، تحوّلت هذه الثقة بالنفس إلى قدرة على القيادة. فقد راحت بعض المشاركات تُدرن ورش عمل بأنفسهن، فيما أطلقت أخريات مبادراتهن الخاصة. ولا تزال مجموعات "واتساب"، أُنشئت خلال الورش، تعمل كشبكات تعلّم، تتبادل النساء فيها الأفكار ويدعمن بعضهن البعض حتى بعد انتهاء الورش.

تقول رند: "ما بدأ بالقلق تحول في النهاية إلى ضحك وروابط متينة. لقد تحولت زمالتهن إلى مجتمع حقيقي".

ثمّة لحظة تحمل معنى خاص للمؤسِّستين. فقد أرسلت لهما إحدى المشاركات، بعد إكمالها البرنامج، رسالة تقول فيها إنّها في صدد التحضير لإدارة ورش عمل خاصة بها.

تتذكّر ليلى: "يصعب وصف الشعور الذي تملّكنا، رند وأنا، عندما قرأنا تلك الرسالة. بعض النساء اللواتي كنّ الأكثر تردداً في البداية هنّ أنفسهن مَن بدأن لاحقاً في قيادة ورش عمل خاصة بهن".

لم يكن إنشاء هذا النموذج واستمراره خاليَين من التحديات. فالتمويل واللوجستيات، والتصورات السائدة التي تختزل الفن في كونه مجرد هواية، لا تزال عوامل تؤثر في مسار تطوير المشروع. كما يتوجّب على الكثير من المشاركات الموازنة بين المسؤوليات العائلية والتنقّل لمسافات طويلة والتوقّعات الاجتماعية، وهذا كلّه قد يحدّ من قدرتهن على الالتزام بشكل منتظم.

لهذه الأسباب، أصبحت القدرة على التكيّف عنصراً أساسيّاً في تصميم المشروع. ولتوسيع صيغة المبادرة، حصلت ليلى ورنا على منحة آفاق للفنون البصرية عام 2023.

تقول رند عن تعاون "العلبة" مع آفاق: "ما توفّر لنا من دعم وثقة ومساحة منحنا الشجاعة لمواصلة تطوير المشروع من دون خوف. وكان ما أبداه فريق آفاق من مرونةٍ واستجابةٍ للاحتياجات التي برزت خلال الورش استثنائيّاً للغاية".

وقد أتاح هذا الدعم للمؤسِّستين مواصلة تطوير المنهج الدراسي، وصقل نموذج التعليم، وتوسيع الفرص أمام النساء من مختلف أنحاء الأردن. لم تعد "العلبة" اليوم مجرد صندوق، بل باتت شبكة متنامية من المتعلّمين والمعلّمين والفنانين وبُناة المجتمعات.

فيما يخص المستقبل، تتخيّل ليلى ورند وصول منهج "العلبة" إلى المدارس والمساحات المجتمعية والمؤسسات في مختلف أنحاء المنطقة. كما يتصوّرن بروز مساحات إبداعية مخصصة للنساء، وتوسّع شبكة من المُيَسِّرات اللواتي ينبثقن من داخل المجتمع نفسه، وصولاً إلى نشوء منصة رقمية تتيح وصول منهج "العلبة" إلى المزيد من النساء والفتيات.

فالنجاح، بالنسبة لهما، لا يُقاس بعدد الورش التي تُنظَّم، بل بما يستمرّ فعّالاً بعد رحيلهما.

تقول ليلى: "هدفنا أن تستمرّ مبادرة العلبة بعدنا".

في منطقة لا يزال فيها الوصول إلى تعلّم الفنون غير مُتكافئ، تُظهر مبادرات مثل "العلبة" كيف يمكن للتعلّم الإبداعي أن يتحول إلى أداة لتعزيز الثقة وبناء الروابط وتنمية القيادة، ممّا يخلق مجتمعات قادرة على الاعتماد على نفسها والاستمرار لمدّة طويلة بعد فتح الصندوق الأول.