"عن قُرب"، مع لانا ضاهر
1 / 4 / 2026

في لبنان، لا يوجد أرشيف وطني منظّم للوسائط السمعية والبصرية. عقودٌ من الأفلام والبرامج التلفزيونية ومقاطع الفيديو المنزلية والتسجيلات، توجدُ متناثرة بين مجموعات خاصة وفي أقراص آيلة إلى التلف وذاكرةٍ هشة.

في الوقت نفسه، تواجه سرديات العالم العربي ضغوطاً متزايدة من أجل تبسيطها وجعلها مفهومة وسهلة القراءة للمؤسسات الخارجية، ومن أجل حصر هويّاتها المتنوعة في أُطُرٍ جامدة. فغالباً ما تُختزَلُ تعقيدات التجارب المُعاشة في العالم العربي إلى شيءٍ يسهل تمويله ونشره وتصنيفه.

بالنسبة للمخرجة اللبنانية لانا ضاهر، شكّل هذا التوتر نقطة انطلاقٍ لفيلمها الوثائقي "دو يو لوف مي"، وهو عملٌ مبنيٌّ بالكامل على لقطاتٍ أرشيفية تتتبّع ذاكرة لبنان الجماعية من خلال السينما والأغاني والتلفزيون والتسجيلات الشخصية.

غير أن المشروع لم ينطلق بوصفه استكشافاً للذاكرة.

تشرح المخرجة كيف بدأ الفيلم كپورتريه مُقتضَب لعائلة «بندلي» ولعلاقة الموسيقى بالحرب. غير أنه، وفي مرحلةٍ ما من مراحل الإنتاج، تغيّر مسار الفيلم. وما ظنّت ضاهر أنه سيبقى متمركزاً حول سرديةٍ عائلية، تحوّل تدريجياً إلى ما هو أكثر حميمية بكثير.

"لم يعد الفيلم يدور حولهم/ن"، تقول ضاهر، "بل حول تجربتي الشخصية التي عشتها في لبنان، وحول طفولتي وعلاقتي بالعنف والذاكرة والهوية".

لم تكن نقطة التحوّل حدثاً درامياً منفرداً، بل إدراكاً بطيئاً وتدريجياً. فالأرشيف لم يكن مجرد مادة تاريخية، بل كان بمثابة مرآة. من خلال مقاطعٍ من أفلام السينما اللبنانية والأغاني وأشرطة الفيديو المنزلية والتسجيلات الصحافية والصور الفوتوغرافية، إنطلقت ضاهر في رحلة تنقيبٍ عن تاريخها الوجدانيّ، وتحوّلت الذاكرة الجماعية إلى حاويةٍ للسّرد الشخصي.

في تلك المرحلة من الإنتاج، كان المشروع بحاجة إلى شيءٍ يندرُ وجوده في البيئات الثقافية الهشة، ألا وهو الوقت.

جاء دعم "آفاق" في لحظةٍ كان من الممكن للضغوط المالية أن تفرض إنهاء الفيلم قبل أوانه. تقول ضاهر: "أتاحت لي المنحة أن أتمعّن في المادة، وأن أجرّب، وأن أصوغ السردية بطريقةٍ أكثر عمقاً وتأنّياً، بدلاً من الاستعجال في إتمام العمل تحت وطأة الضغط المالي."

وتضيف: "كما أن اختيار المشروع من قِبل "آفاق" – وهي منحة إقليمية مرموقة وتنافسية – كان بمثابة إشارةٍ إلى جدّية المشروع وأهميته."

كانت تلك الإشارة بالغة الأهمية، ليس فقط من الناحية المالية، بل السياسية أيضاً.

تقول ضاهر: «أحدثَ تلقّي الدعم من مؤسسة عربية فرقاً عميقاً. فقد أكّد أنّ للقصة أهميّة ضمن سياقها الثقافي الخاص، وليس فقط ضمن إطار المؤسسات الأجنبية."

والثّمرة هي فيلم دو يو لوف مي، رحلةٌ مَرِحة وشخصية في أنٍ معاً، تمتدُّ عبر سبعين عاماً من الذاكرة السمعية-البصرية للبنان. في بلدٍ يفتقر إلى أرشيفٍ وطني، يصبح الفيلم فعلاً من أفعال الحفظ وإعادة البناء على حدٍ سواء، محتفياً بالتعبير الإبداعي بوصفه مقاومةً وتجديداً ووسيلةً لِصَون الذاكرة في مواجهة المحو. غير أنّ الأثر يتجاوز الفيلم الواحد.

تقول ضاهر: «بصفتنا فنّانين وفنّانات، فإن تفاعلنا يحمل مسؤولية ما. على ممارستنا أن تتمثّل في الشجاعة والنّزاهة. علينا أن نُصِرَّ على التعقيد وعلى السّرد متعدد الأوجه والطبقات. وهذا يعني حماية الاستقلالية الإبداعية وتوفير مساحات آمنة لإجراء الحوارات العسيرة والمعقّدة. لا يستطيع الفن إيجاد حلول للواقع السياسي، لكنه يستطيع مقاومة المحو. وهذه المقاومة ضرورية وأساسية."

في ظلّ بيئةٍ يواجه فيها الفنانون/ات ضغوطاً سياسية واقتصادية ومؤسساتيّة، يوفّر الدّعم الإقليمي المُستدام مساحةً للتنفس. فهو يسمح لقصصهم/ن بالوجود، ويُفعّل الأرشيفات، ويتيح للذاكرة الثقافية أن تصمد وتدوم.

ولمن يختار دعم هذا النظام البيئي، فإن هذا التدخّل ليس فكرة مجرّدة فحسب. بل هو وقتٌ ممنوحٌ، ومخاطر مُستوعَبة، وقصصٌ مُصانةٌ بسلامةٍ وإخلاص. فهو يُهيّئ الظروف التي تُمكّن الفنانين/ات من صوغ سردياتهم/ن الخاصة، وفقًا لشروطهم/ن، وفي منطقتهم/ن.


*لانا ضاهر | مخرجة وصانعة أفلام، لبنان