عن قرب مع هبة خليفة
4 / 2 / 2026

هبة خليفة — فنانة بصرية ومصوّرة وثائقية


"الفنون والثقافة هي طريقي للتعرّف على نفسي وعلى العالم من حولي"


بالنسبة إلى هبة خليفة، لا يُعدّ الفن إضافة هامشية إلى الحياة، بل هو معبرٌ تخوضه، فتعيش من خلاله. معبرٌ للخروج من القيود، وفي الوقت ذاته طريقٌ للغوص على الداخل. فمن خلال الفن والثقافة، اكتشفت اتساع العالم وتنوّعه خارج الإطار الضيّق الذي عاشت داخله طويلاً. ومن خلال المعبر ذاته، تعلّمت كيف تصل إلى أعماق ذاتها، مكتشفة طبقاتٍ لم تكن تعلم بوجودها.

"الفن هو طريقتي في بناء علاقة حميمة مع نفسي ومع العالم الخارجي. يشبه شجرةً تنمو داخلي ومن حولي في آنٍ واحد؛ تشفي جسدي وقلبي وروحي، وتحمل الشفاء للآخرين أيضاً،"تقول هبة.

هذا الفهم العميق والشخصي للفن يتشكّل داخل واقعٍ أشدّ قسوة. فمثل كثير من الفنانين والفنانات الذين تعرفهم هبة، تصف نفسها بأنها تعيش على هامش المجتمع، حيث يُقَيَّد دور الفنانين/ات بوصفهم فاعلين/ات مؤثّرين/ات، ويُخضَع باستمرار للضبط والتقييد. فالتعبير مراقَب، ومحاصَر، وأحياناً يُواجَه بعقابٍ عنيف.

تقول هبة: "لا يمكنك دائماً أن تقول ما تريد. أحياناً يكون الثمن هو السجن، أو حتى التحريض على القتل. ونجيب محفوظ أحد الأمثلة على ذلك."

ونتيجةً لهذا الواقع، يتحرّك الفنانون والفنانات بحذر شديد، متجنّبين أو متجاوزين أو حتى متغافلين عن الرادارات الكثيرة المحيطة بهم، فقط ليتمكّنوا من إنتاج أعمال يؤمنون بها. بالنسبة لهبة، لا ينفصل البقاء عن النزاهة.

انطلاقاً من هذا الواقع، ترى هبة أن الفعل الأكثر إلحاحاً اليوم هو التواصل. فالفنانون والفنانات، عبر التخصّصات والمجالات المختلفة، بحاجة إلى بناء شبكات في ما بينهم، والحفاظ على حوار مفتوح وحيّ حول معنى الفن وماهيته، ولماذا نمارسه، وكيف يُنتَج، وكيف يتنقل، وكيف يُرى. حوار يسأل كيف يمكن للفنانين أن يتبعوا مسار الدعم المتبادل، بدلاً من الدخول في سباق التنافسية المُنهِك.

في هذا السياق، تقول هبة: "السباق أرهقنا جميعاً. الفنانون معزولون، مكتئبون، أو غاضبون، ومن حقهم أن يكونوا كذلك. وفي كثير من الأحيان، تتحوّل النقاشات حول الفن إلى صراعات تتركنا أكثر ضياعاً."

وقد تجلّى هذا التوتر - بين الإلحاح والرعاية، وبين الصدق والبقاء- بوضوح أثناء تطوير مشروعها "عين النمرة"، المدعوم من "آفاق".

أثناء عملها على الكتاب، تستعيد هبة لحظة لا تزال أصداؤها حاضرة. كانت تقصّ صورةً لها وهي طفلة، وتُخرجها من الإطار الذي ظلت حبيسة داخله لسنوات. شعرت بفرحٍ عارم، وكأنها تحتفل بتحرير تلك الطفلة. لكن فجأة، ارتفع صوتٌ في داخلها يسائلها: ما هذا الزيف؟ هل تستخدمين الفن لإعادة كتابة الحكاية والحديث عن الحرية؟ لقد كنّا نغرق.

ردًّا على ذلك، قامت هبة بإغراق الصورة داخل برطمان مملوء بالماء، ثم أعادت تصويرها. بعدها وضعت الكاميرا جانباً، ودخلت في حالة انهيارعصبي.

لم تتجلَّ لحظة الوضوح إلا لاحقاً. عندها أدركت أنها لا تتعامل مع صور أو أشياء جامدة، بل مع أصوات حيّة تسكن داخلها، أصوات تحمل حكايات مُلحّة تطالب بأن تُروى.

وتكمن هذه الإدراكات في صميم مشروع "عين النمرة"، وهو كتاب بصري تجريبي يستند إلى بحث شخصي، وإلى مسار طويل وهش من التعافي الذاتي. يتخذ المشروع من القاهرة فضاءً له، ويواجه صدمات الطفولة، والعنف الجسدي والجنسي داخل الأسرة، والصمت الذي يحيط بهذه التجارب، لا سيما في العلاقات بين الأمهات وبناتهن. كما يتحدّى بشكل مباشر المحرّمات المرتبطة بالنوع الاجتماعي، والأمومة، والدين، كاشفاً كيف تعمل آليات العار واللوم والصمت داخل المجال الأسري.

وانطلاقاً من أرشيف شخصي يضم صوراً فوتوغرافية ونصوصاً ورسومات وكولاجات، تعيد هبة بناء الذاكرة بدلاً من تفسيرها. حيث تحضر الصورة والنص معاً من دون أن يفسّر أحدهما الآخر، وإنما ليشكّلا تجربة حسّية تعكس وتفكّك الصدمة ومسار التعافي. وفي "عين النمرة" تتحوّل الفوتوغرافيا إلى شاهد وأداة في آنٍ معاً، وكأنها وسيلة لاستعادة النَّظَر بوصفه فعل مقاومةٍ وامتلاكٍ للذات.

تقول هبة إن الدعم الذي حصل عليه المشروع كان حجر الأساس لكل ما تلاه. فقد منحها أمراً نادراً وأساسياً: الوقت. الوقت لتفكّر ولتغوص بعمق ولتنفّذ العمل كما ينبغي له أن يُنفَّذ، بلا استعجال أو ضغوط. كما منحها المساحة للاعتناء بنفسها أثناء العمل، بما في ذلك تخصيص جزء من الميزانية للعلاج النفسي، وهو ما تؤكد أنها لم تكن قادرة على تحمّله أو القيام به بمفردها.

تستعيد هبة تلك اللحظة قائلة: "انطلاق المشروع بدعم من آفاق ومؤسسة ماغنوم غيّر كل شيء. مَنَح العمل شرعية ووضوحاً، وساعدني على تخيّل الكتاب بوصفه عملاً قادراً على مخاطبة العالم، لا مصر فقط."

من موقعها اليوم، ترى هبة أن مستقبل الفنون والثقافة في العالم العربي مرتبط بشكل وثيق بالرعاية الجماعية والصدق والدعم المستدام. فغياب المساحات التي تتيح للفنانين العمل بتروٍّ بصدق وأمان، لا تكون كلفته ثقافية فحسب، بل إنسانية في جوهرها.